ابن حزم
210
رسائل ابن حزم الأندلسي
به ، وإن كانت الثالثة - وهي السلامة مما يلقى بالجملة - فليقنع بما وجد ، وليأخذ من الأمر ما استدف ( 1 ) ولا يطلب شرطاً ولا يقترح عقداً ( 2 ) ، وإنما له ما سنح بجده أو ما حان بكده . واعلم أنه لا يستبين قبح الفعل لأهله ، ولذلك يتضاعف قبحه عند من ليس من ذويه ، ولا أقول قولي هذا ممتدحاً ولكن آخذاً بأدب الله عز وجل { وأما بنعمة ربك فحدث } ( الضحى : 11 ) : لقد منحني الله عز وجل من الوفاء لكل من يمت إلى بلقية واحدة ، ووهبني من المحافظة لمن يتذمم مني ولو بمحادثته ساعة حظاً أنا له شاكر وحامد ، ومنه مستمد ومستزيد ، وما شيء أثقل علي من الغدر ؛ ولعمري ما سمحت نفسي قط في الفكرة في إضرار من بيني وبينه أقل ذمام ، وإن عظمت جريريته وكثرت إلي ذنوبه ، ولقد دهمني من هذا غير قليل فما جزيت على السوءى إلا بالحسنى ، والحمد لله على ذلك كثيراً . وبالوفاء أفتخر في كلمة طويلة ذكرت فيها ما مضنا من النكبات ، ودهمنا من الحل والترحال والتجول في الآفاق ، أولها ( 3 ) : [ من البسيط ] . ولي فولى جميل الصبر يتبعه . . . وصرح الدمع ما تخفيه أضلعه جسم ملول وقلب آلف فإذا . . . حل الفراق عليه فهو موجعه لم يستقر به دار ولا وطن . . . ولا تدفأ منه قط مضجعه
--> ( 1 ) دف الأمر واستدف : تهيأ وأمكن ، ومثله : استطف ، يقال خذ ما استدف لك أو خذ ما طف لك وأطف واستطف أي ما دنا وأمكن . ( 2 ) بتروف : حقداً ؛ وصوبت في بعض الطبعات : حقاً ؛ وما هنا أقرب إلى رسم الكلمة في الأصل . يبدو أن ابن حزم كان معجباً ( 3 ) يبدو أن ابن حزم كان معجباً بقصيدة ابن زريق البغدادي ، فهو يعارضها هنا ، كما عارضها بقصيدة أخرى أثبتها في كتابي : تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة ( ط . ثانية ) : 385 - 387 .